ابن كثير
19
البداية والنهاية
لأخطب يوما على الناس وحبر من أحبار يهود واقف في يد سفر ينظر فيه ، فلما رآني قال : صف لنا أبا القاسم ، فقال علي : رسول الله ليس بالقصير ولا بالطويل البائن ، وليس بالجعد القطط ولا بالسبط ، هو رجل الشعر أسوده ، ضخم الرأس ، مشربا لونه حمرة ، عظيم الكراديس ، شثن الكفين والقدمين ، طويل المسربة ، وهو الشعر الذي يكون من النحر إلى السرة ، أهدب الأشفار ، مقرون ( 1 ) الحاجبين ، صلت الجبين ، بعيد ما بين المنكبين إذا مشى تكفأ كأنما ينزل من صبب ، لم أر قبله مثله ، ولا بعده مثله ، قال : علي : ثم سكت فقال لي الحبر : وماذا ؟ قال علي : هذا ما يحضرني ، قال الحبر في عينيه حمرة ، حسن اللحية ، حسن الفم تام الاذنين ، يقبل جميعا ويدبر جميعا ، فقال علي : والله هذه صفته ، قال الحبر : [ وشئ آخر ] ( 2 ) قال علي : وما هو ؟ قال الحبر وفيه جناء ، قال علي : هو الذي قلت لك كأنما ينزل من صبب ، قال الحبر : فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي ( 3 ) ونجده يبعث في حرم الله وأمنه وموضع بيته ، ثم يهاجر إلى حرم يحرمه هو ويكون له حرمة كحرمة الحرم الذي حرم الله ، ونجد أنصاره الذين هاجر إليهم قوما من ولد عمرو بن عامر أهل نخل وأهل الأرض قبلهم يهود ، قال علي : هو هو ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال الحبر : فإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة ، فعلى ذلك أحيا وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله . قال : فكان يأتي عليا فيعلمه القرآن ويخبره بشرائع الاسلام ، ثم خرج علي والحبر من هنالك ، حتى مات في خلافة أبي بكر وهو مؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم مصدق به ، وهذه الصفة قد وردت عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من طرق متعددة سيأتي ذكرها ، وقال يعقوب بن سفيان : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده قال : سئل أو قيل لعلي : انعت لنا رسول الله ، فقال : كان أبيض مشربا بياضه حمرة ، وكان أسود الحدقة أهدب الأشفار ، قال يعقوب : وحدثنا عبد الله بن سلمة وسعيد بن مصور قالا : ثنا عيسى بن يونس ، ثنا عمر بن عبد الله مولى عفرة ، عن إبراهيم بن محمد عن ولد علي قال : كان علي إذا نعت رسول الله قال : كان في الوجه تدوير أبيض أدعج العينين أهدب الأشفار . قال الجوهري : الدعج شدة سواد العينين مع سعتها ، وقال أبو داود الطيالسي : ثنا شعبة ، أخبرني سماك ، سمعت جابر بن سمرة يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهل العينين منهوس العقب ضليع الفم ( 4 ) . كذا رواه في رواية أبي
--> ( 1 ) مقرون الحاجبين : القرن أن يطول الحاجبان حتى يلتقي طرفاهما . صلت الجبين : الصلت : الواضح المستوي البارز . ( 2 ) من ابن سعد ، 1 / 412 - 413 . ( 3 ) من ابن سعد ، وفي الأصل إياي تحريف . ( 4 ) أخرجه مسلم في الفضائل ص ( 1820 ) . والترمذي في المناقب حديث ( 3647 ) شرح المفردات : - ضليع الفم : عظيم الفم ، قالوا والعرب تمدح بذلك ، وتذم بصغر الفم وهو معنى قول ثعلب في ضليع الفم : واسع الفم . وقال شمر : عظيم الفم . - منهوس العقب : قليل لحم العقب .